علي الأحمدي الميانجي
106
شرح دعاء أبي حمزة الثمالي
فاللَّه سبحانه حبيب لمن تحبّب إليه ، ومن كان محبّاً للَّهتعالى يظهر ذلك في نيّاته وأعماله وأقواله ، يحبّ أولياء اللَّه تعالى ويميل إليهم ، ويبغض أعداء اللَّه ويتنفّر عنهم ، يعمل للَّه ، ويحبّ اللَّه ويبغض للَّه ، ويحبّ العبادة ويلتذّ منها ، ويسهر بها ليله ويصبح ويمسي شائقاً إليها ، فيذوق حلاوة العبادة وحلاوة المحبّة . « ويا قرّة عين من لاذ بك وانقطع إليك » ، يعني من انقطع إليه من الأسباب المادّية وعلم أن لا مؤثّر إلّاهو ، وغيره أسباب تتسبّب بلطفه ، كما في الدعاء : « يا من تسبّبت بلطفه الأسباب » ، وفي الدعاء أيضاً : « اللّهمّ هب لي كمال الانقطاع إليك ، وأنر أبصار قلوبنا بضياء نظرها إليك » ، وقال : « اللّهمّ صن وجهي باليسار ، ولا تبتذل جاهي بالاقتار ، فأسترزق أهل رزقك وأستعطي شرار خلقك ، فأفتتن به حمد من أعطاني ، وأبتلي بذمّ من منعني ، وأنت من دونهم وليّ الإعطاء والمنع » ، فأحسّ بالاطمئنان والاستغناء عن الناس والعزّ بعزّته تعالى ، وانقطع عنه الهموم والغموم وتخلّى عن الشكاية إلى الناس ، صار اللَّه سبحانه عنده ومعه ، ورأى نفسه في حصنه ، ولا يبقى له همّ إلّاهمّ واحد ، وتخلّى من الهموم إلّاهمّ واحداً تفرّد به . « أنت المحسن » في جميع أفعالك وإرادتك ، و « نحن المسيؤون » في ارتكاب المعاصي والغفلة عنك ، والإقبال إلى غيرك ، وحبّ ما لا تحبّه ، والإقبال إلى ما يسخطك ، وعدم الرغبة فيما رغبت فيه ، وعدم الشوق إلى ما شوّقت إليه ، وكفى معصية وإساءة في العبد أن يحبّ ما لا يحبّه مولاه ، ويرغب إلى خلاف مرضاته ، أو كفى في بعده ألّا يحبّ لقاءه ، وألّا يحبّ عبادته ومناجاته . « فتجاوز - يا ربّ - عن قبيح ما عندنا » من الأعمال والأقوال والنيّات والصفات الرذيلة ، « بجميل ما عندك » من العفو والصفح والإحسان . « وأيّ جهل لا يسعه جودك » يحتمل أن يكون الجهل هنا في مقابل العقل ، أي جهالة لا يسعه العفو عنه جودك ، يعني أنّ جودك أعظم من أن يمنعه جهلي في ارتكاب القبائح والأفعال السيّئة ، ويحتمل أيضاً أن يكون المراد الجهل بمعنى عدم العلم ، أي أيّأعمال وقبائح نشأت عن جهلي وعدم معرفتي ومبلغ علمي يمنع جودك في الشمول بالنسبة إليّ ؟ « وأيّ زمان أطول من أناتك » الأناة : الحلم والوقار ، أي لا يمنع عفوك وجودك طول زمان